الغزالي

46

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

رجليه لفي تخوم الأرض السفلى ، وأعظم من هذا كله قوله عز وجل : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ البقرة : 255 ] . فما ظنك بمخلوق وسع هذا الأمر العظيم ، فارفع نظرك إلى البارئ العظيم واستدل بهذا الخلق العظيم على قدر هذا الخالق العظيم ، وعلى جلاله وقدرته وعلمه ، ونفوذ مشيئته وإتقان حكمته في بريته ، وانظر كيف جميع هذا الصنع العظيم ممسوك بغير عمد تقله ، ولا علائق من فوقه ترفعه وتثبته ، فمن نظر في ملكوت السماوات والأرض ونظر في ذلك بعقله ولبه ، استفاد بذلك المعرفة بربه والتعظيم لأمره ، وليس للمتفكرين إلى غير ذلك سبيل ، وكلما ردد العقل الموفق النظر والتفكر في عجائب الصنع وبدائع الخلق ازداد معرفة ويقينا وإذعانا لبارئه وتعظيما ، ثم الخلق في ذلك متفاوتون ، فكل مثال من ذلك على حسب ما وهبه له من نور العقل ونور الهداية . وأعظم شيء موصل إلى هذه الفوائد المشار إليها تلاوة الكتاب العزيز ، وتفهم ما ورد فيه وتدبر آياته مع ملازمة تقوى اللّه سبحانه . فهذا هو باب المعرفة بالله واليقين بما عند اللّه ، ثم انظر وتأمل ما نشير إليه ، فإنك علمت على الجملة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسري به إلى أن بلغ المنتهى ورأى من آيات ربه الكبرى . واطلع على ملكوت ربه وتحقق أمر الآخرة والأولى . ودنا من ربه حتى كان كقاب قوسين أو أدنى . فما ظنك بعلم من شرف بهذا المعنى ثم أمر بأن يقول : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] . علمك بمعرفته ومنّ عليك بنور هدايته واستعملنا وإياك بطاعته . وجعلنا بكرمه أجمعين من أهل ولايته بمنه وكرمه وجوده إنه ولي ذلك .